كابوس ديموقراطي

 

أثار جاكيت لبسته ميشيل أُوباما عقيلة الرئيس الأمريكي في حفلة ملكة بريطانيا الخاصة بالأولمبياد ضجة كبيرة في الولايات المتحدة وصلت إلى الصحف الرئيسية والكونغرس.  السبب هو سعر هذا الجاكيت الذي يعتقد انه 6800 دولار.  صحيفة الواشنطن بوست المشهورة كانت أول من اثار الموضوع ولحقتها صحف اخرى والمواقع الالكترونية. 

قضيت ليلة كاملة وانا اتابع الموضوع على الإنترنت وأدهشتني الآراء المختلفة حول الموضوع والحرية على كافة المستويات في طرح الموضوع.  المؤيدون للرئيس أُوباما والحزب الديموقراطي اعتبروا ان الموضوع (ما بستاهل) كل هذه الضجة واتهموا أنصار الحزب الجمهوري في إثارة الموضوع وتحريض الناس على أُوباما من خلال جاكيت زوجته.  بعضهم أشار إلى ان الجاكيت من تصميم وصناعة أمريكية بالتالي السيدة الاولى تشجع الصناعة الأمريكية وتعمل لها دعاية عالمية.  البعض الآخر أشار إلى ان الهجوم على ميشيل عنصري وقالوا انه بينما تعتبر أناقة ميشيل سببا للتهجم عليها لم يحصل هذا مع سيدات البيت الابيض البيض في السابق،  بل على العكس كانت تعتبر أناقتهم مصدرا للإعجاب والإلهام.  ايضا اتفق المؤيدين للرئيس أُوباما والحزب الديموقراطي على نقطة مهمة ألا وهي أن السيدة الاولى اشترت هذا الجاكيت من أموالها الخاصة وليس من أموال الشعب ودخلها ودخل زوجها يسمحان لها بشراء ملابس بهذا الثمن وأغلى.  ايضا لم ينسى مؤيدو الحزب الديموقراطي من ذكر أن السيدة الاولى تمثل أغنى وأقوى دولة في العالم ولا تمثل دولة فقيرة عاجزة من العالم الثالث.

الطرف الثاني من المعادلة الأمريكية (مؤيدو الحزب الجمهوري) كان لهم آراء أُخرى.   بعضهم ذكر ان ثمن الجاكيت أكثر بحوالي الفين دولار من معدل دخل الفرد الشهري في الولايات المتحدة.  آخرين ذكروا أن الظهور بجاكيت مرتفع الثمن في الوقت الذي تمر فيه الولايات المتحدة بأزمة اقتصادية يدل على قصر نظر وعدم اهتمام بالشارع الأمريكي.

بعد ليلة طويلة من متابعة موضوع الجاكيت (ثقلت) في السحور وخلدت إلى النوم، وبعد دقائق من نومي وجدت نفسي أُطالع عناوين الصفحة الاولى في صحيفة الرأي  الأردنية.  العناوين كانت غريبة نوعا ما، فهناك عنوان بالخط العريض يتحدث عن إجازة جلالة الملكة في اليونان مع وفد كبير ويتحدث عن تكلفة جناح الملكة التي وصلت إلى 37 الف دولار للليلة الواحدة.  تحت هذه العناوين التي كتبت بالخط العريض ذكر ان الوفد المرافق تم حجز 15 غرفة لهم بسعر 5 الاف دولار للليلة للغرفة الواحدة. وتم ذكر أن هذه التكلفة هي تكلفة الغرف فقط دون ذكر أية تكلفة أخرى من تكاليف السفر والحراسة والطعام وغيره.    

لحظات ووجدت نفسي أتابع التلفزيون الأردني الذي كان يبث بشكل مباشر جلسة خاصة لمجلس النواب يناقش فيها اجازة جلالة الملكة.  أول المتحدثين كان النائب وصفي السرحان الذي قال أن الموضوع أثير فقط بسبب أصول الملكة الفلسطينية وهذا الموضوع لا يستاهل أن يناقش في مجلس النواب.  النائب محمد الحجوج رد على السرحان قائلا كفى فتح موضوع الأصول واستخدامه كحجة كلما تم فتح او مناقشة موضوع.  متى سننظر إلى الشعب الاردني كشعب واحد ولا نفرق بين أبناء الشعب الواحد؟  النائب عبلة أبو علبة أيدت النائب الحجوج بقوة وطالبت بشطب كلمة النائب السرحان.  أما النائب يحيى السعود فقد أصر على إلقاء كلمته بالفرنسية بما أن البث عالمي وهناك ترجمة فورية للأعضاء.  كلمة النائب السعود والتي كانت أقرب إلى لهجة أهل باريس دعت الجميع إلى الهدوء والمحبة والاتفاق وعدم الاختلاف.  وفي نهاية كلمته وزع النائب السعود الورد على جميع أعضاء مجلس النواب. 

انتهت جلسة المجلس بقرار يقضي بمنع سفر أي مسؤول أردني ومنع سفر أقارب المسؤولين في إجازة خارج الاردن طالما هناك عجز في موازنة الدولة وطالما أن الدولة مديونة.

في اليوم الثاني أصدرت الحكومة عدة قرارات غيرت فيها شروط عقود بيع واستثمار الشركات الوطنية.  هذه القرارات أعادت للخزينة مليارات وضمنت دخل سنوي عال للدولة.  في نفس اليوم قامت هيئة مكافحة الفساد بملاحقة أشهر الفاسدين في الاردن وتمكنت من استعادة مليارات منهم.  ومع نهاية اليوم تبين أن العجز والدين اختفيا.

استيقظت من نومي مذعورا وغارقا في بركة من العرق.  حمدت الله عندما تأكدت أن كل هذا لم يكن سوى كابوس مخيف.  وللتأكد فتحت التلفزيون الاردني وتابعت الشريط الاخباري.  ابتسمت فالشريط الاخباري أكد أنني كنت ضحية كابوس، فالشريط كان كما عهدته دائما ولم يذكر أي شيء مما شاهدته في الكابوس وكانت الاخبار التالية على الشريط:  بعد أسبوع من مأدبة افطار الايتام فعاليات شعبية وسياسية تؤكد ان المأدبة لفتة تؤكد تفهم جلالة الملك وجلالة الملكة للوضع الصعب في المملكة واهتمامهم اليومي بقضايا الشعب.  فعاليات شعبية وسياسية في الجنوب تؤكد ان زيارات جلالة الملك لهم دليل على ان الشعب والقيادة في قارب واحد. 

الحمد لله الدنيا لا زالت بخير.

مصطفى وهبي التل