حينما كان ضابطا شابا في جيش الانقاذ بقيادة فوزي القاوقجي عام 1948 . بدأ وعيه مبكرا للتناقض الصارخ بين القوة العسكرية الصهيونية وتشرذم القوة العسكرية العربية داخل فلسطين وخارجها … اقترح وصفي التل تشكيل قوة خاصة لاحتلال الساحل الفلسطيني الشمالي والأوسط لقطع الحبل السري بين أوروبا وصهاينة فلسطين حيث تأتيهم الامدادات العسكرية والبشرية مباشرة وبتواصل … فيما بعد كتب لاري كولنز ودومينيك لابيير أن هذه الفكرة كانت تقض مضجع ديفيد بن غوريون وتحرمه نومه كلما خطرت بباله … بعد الانقلاب العسكري في العراق ومذبحة العائلة الهاشمية وعدد من المسؤولين الأردنيين بحكومة الاتحاد الهاشمي في بغداد عام 1958. لم يأخذ الأردن ملكاً وحكومة وشعباً مبدأ الانتقام ولو من باب قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين . فالعراق عمق استراتيجي للأردن . ذهب وصفي التل سفيرا للمملكة في بغداد ليرمم الخراب الناشئ عن ثورة عبد الكريم قاسم وقد نجح في ذلك ايما نجاح … حينما كان مديرا للإذاعة اسس أول برنامج درامي باللهجة الشعبية الأردنية … استدعى اسحاق المشيني الموظف في الإذاعة وأوجز له أن الأردن بلد مضياف وأبواب منازله مشرعة للضيف … وهكذا ظهرت مضافة ابو محمود التي كانت تستوقف المارين في شوارع عمان والزرقاء واربد في العاشرة صباحا حيث تعاد حلقتها المسائية

في ثاني وزارة شكلها وصفي التل عام 1965 واصل مشروعه الذي بدأه في وزارته الأولى عام 1962 وهو الزراعة البعلية للأشجار المثمرة مستفيدا من برنامج الغذاء العالمي الذي يوفر للفلاح الأردني نفقات بناء الجدران الاستنادية وزراعة الأشجار وعلى رأسها الزيتون ثم العنب والتين واللوزيات بالإضافة الى بئر للحصاد المائي الذي كانت تعتمد عليه أغلب مدن وقرى الأردن … ولما وجد وصفي تكاسلا من بعض المزارعين للاستفادة من المشروع . استعمل صلاحياته في قانون الدفاع وطلب من المحافظين والمتصرفين سجن كل مالك أرض على حواف الطرق المعبدة لا يقوم بتشجير ارضه مستفيدا من المشروع الذي تنامى حتى بعد استشهاده وبدأنا نفتقد الأراضي الجرداء من الكروم في المرتفعات … ثم انتبه الرجل لحوالي خمسمائة كم من الأنابيب المعطلة بين الرويشد وجسر المجامع وقد كانت تنقل البترول العراقي من كركوك الى حيفا قبل نكبة 1948 فوجه قسما منها الى واحة الأزرق لتضخ الماء الى الشاربين والمزارعين في المفرق وجرش ومحافظة اربد

كلما قرأت له أو قرأت عنه أو حلت ذكرى استشهاده يصيبني الدّوار وأنا أفكر … ردّ على تهديد منظمة ايلول السود باغتياله مرددا شعر جرير … زعم الفرزدق ان سيقتل مربعاً … فابشر بطول سلامة يا مربع … كان وزيراً للدفاع ويعرف أجواء القاهرة وأنور السادات لم يزل مشغولاً بتثبيت سلطته … كان وزيرا للدفاع ولم يرسل قوة حراسة تسبقه الى السفارة في الدقي على مسافة عشر دقائق من فندق شيراتون حيث يسهل تمركزها في جناحه قبل وبعد وصوله . للفندق خمسة أبواب على دائر البناية … الباب الرئيسي وباب المتاجر وباب على النيل ومدخل الموظفين وباب السينما على الشارع الرئيسي … ومع هذا يعود من الجامعة العربيّة الى الباب الرئيسي للفندق مع مرافقه العسكري فايز اللوزي ووزير الخارجية عبدالله صلاح والسفير علي الحياري . يسبقهم بالدخول ليلقى حتفه … لنتذكر التحذيرات التي وجهت للملك المؤسس بعدم زيارة القدس والصلاة في المسجد الأقصى بعد اسبوع من اغتيال رياض الصلح في عمان … محاولات رئيس بلدية نابلس لتأخيره في مدينته حتى يقترب موعد صلاة الجمعة فيصلي في نابلس ولكنه يصر على الصلاة في المسجد الأقصى ويعطي تعليماته لقائد الحرس الملكي حابس المجالي بعدم دخول جندي واحد معه الى المسجد …أي كبرياء وإيمان بالقدر يسوق العظماء الى حتوفهم ؟

 

محمود الزيودي/الدستور/27 تشرين ثاني 2014