في اواسط الستينيات من القرن المنصرم كنت مسؤولا عن الجمعيات التعاونية في منطقة الاغوار الشمالية ، وكان من انشط المزارعين ذلك الرجل اليافاوي الشهيد رؤوف الحلبي

ذات يوم ارسل «الحلبي» وكيل مزرعته الى الشونة الشمالية حيث كان مكتبي هناك فجاء ودعاني نيابة عن «الحلبي» لتناول طعام الغداء في مزرعته في تل الاربعين ، فأبلغته بأنني سأحضر ، وذهبت في موعد الغداء لأجد الشهيد المرحوم وصفي التل هناك ، وكانت له بزميله في الجامعة الامريكية رؤوف الحلبي علاقة طيبة جدا عمّقها عمل الاثنين في مشروع موسى العلمي الذي كان يضم نخبا من الشباب العربي الخارجين من النكبة الفلسطينية حديثا فأرادوا ان يردوا على الهزيمة بالعمل المنظم فأسسوا هذا المشروع الزراعي وكان شعارهم آنذاك

من يزرع لا يقلع

كنت قد التقيت المرحوم الشهيد ابا مصطفى قبل هذا اللقاء في رئاسة الوزارة وكنا وفدا من كبار مزارعي الحمضيات في الاغوار الشمالية راجعوه بشأن عدم الموافقة على ادخال حمضيات لبنان في موعد موسم حمضيات مزارعي الاغوار في الاردن ، وكان وزير الاقتصاد الاردني آنذاك حاتم الزعبي فطلب منه بالاتفاق مع اعضاء الوفد الا تدخل الحمضيات اللبنانية قبل شهر نيسان وحصل ذلك رغم معارضة وزير الاقتصاد الذي اعترض بسبب وجود اتفاقية السوق العربية المشتركة ، لكن ابا مصطفى صاحب القرار آثر منفعة أبناء الاردن المبتدئين في الزراعة على كل اتفاقيات الدنيا

نعود الى اللقاء الذي تم في مزرعة «الحلبي» الذي كان مثال المزارع النشيط الواعي المنظم الذي حذا حذوه نفر من مزارعي الاغوار الشمالية

بعد الحديث مع أبي مصطفى علمت بأنه يبحث عن فسائل موز يريد ان يزرعها في الحًمّة وكان آنذاك خارج الحكم فنظرت اليه طويلا بدون حديث فقرأ ما يجول بخاطري فقال رحمه الله: اسمع يا نايف أما قرأت في الصفوف الابتدائية: زرعوا فأكلنا ونزرع فيأكلون؟؟ قلت: نعم يا باشا قرأتها ولا زلت أرددها أمام من اتعامل معهم من فلاحي بلادي ، وأنا أفهمك جيداً من خلال الشعار الذي رفعتموه عالياً: (من يزرع لا يقلع،،) لم يترك وصفي رحمه الله وراءه أولاداً من صلبه لكنه كان يعتبر كل أبناء الاردن أبناءه فأراد ان يضرب لهم المثل العملي رداً على هزائمنا المتتالية بامتياز

 …رحمك الله أبا مصطفى فقد كنت عظيماً وستبقى عظيماً

 

نايف ابو عبيد/صحيفة الدستور الاردنية/13 كانون اول 2009