نلتقي اليوم في منتدى الدستور الثقافي مع أحفاد وصفي التل لنتحدث عن حياته التي بدأت في كردستان العراق عام م1919 بكرا للشاعر المتمرد مصطفى وهبي التل والسيدة الكرديّة منيفة بنت إبراهيم بابان. ولد وصفي في زمن تنفيذ مؤامرات تقسيم الوطن العربي (سايكس بيكو) واستيطان الصهاينة لفلسطين (وعد بلفور).. وأولى تضحياته التي سنتحدث عنها هي التنقل الدائم بين المنافي التي يرسل إليها عرار موظفا بسبب تمرده الدائم على حالة الأردن والوطن العربي في ذلك الزمن. وأضيفت السجون إلى المنافي فيما بعد وقد أجملها الشاعر الوالد بشطر بيت واحد (فمن سجن إلى منفى إلى غربة).. لا شك أن وصفي التل وأشقاءه يتمتعون بجلد وعزيمة لتحمّل غيبة والدهم في المنافي والسجون وأقاويل الناس عن حياته البوهيميّة في زمن كان الأردنيون يعيبون على الرجل أن يظهر في المجلس أو الشارع (مفرّعا) بلا كوفيّة ولا عقال

كانت الجامعة الأمريكيّة في بيروت مطمحا لأبناء الأغنياء وبعض متوسطي الحال لإرسال أبنائهم إليها بعد نيل شهادة المترك من مدرسة السلط الثانويّة. وسواء تكفّل موسى مصطفى اليوسف بدراسة وصفي أو ساعده جزئيا فإن طموح وصفي لإكمال دراسة العلوم الطبيعية في بيروت والعودة بالشهادة الجامعيّة مع محمود الهنانده وخليل السالم وحمد الفرحان ينبىء بصلابة الرجل وعصاميته. ويسجل له مع جماعة القوميين العرب بعد النظر والوعي المبكر بحتميّة المواجهة العسكريّة مع الصهاينة والإنجليز والفرنسيين (استيطان ، استعمار) فيلتحقون بالجيش البريطاني للتدريب على فنون القتال في زمن كان السلاح العربي فيه بقايا البنادق التركيّة والألمانيّة. وقد تنبه الصهاينة لنفس الحالة وانخرطوا في الجيش البريطاني بكثرة وصلت إلى ما سمي بالفيلق اليهودي. طرد وصفي من الجيش البريطاني لميوله القوميّة العربيّة والتحق بالجيش السوري ثم جيش الإنقاذ بقيادة فوزي القاوقجي. كانت له نظريّة في الحرب مع اليهود بعد انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين وهي تتلخص في احتلال الساحل الفلسطيني كاملا لعزل اليهود عن منابع تزويدهم بالسلاح والمقاتلين عبر الموانىء التي تأتيها السفن من أوروبا. وفيما بعد كتب ديفيد بن غوريون في يومياته أن أخشى ما كان يخشاه هو احتلال الموانىء الفلسطينية وقطع الحبل السري بين الجنين اليهودي والأم الأوروبيّة

أكتب عن وصفي التل بعد أسبوع من ذكرى استشهاده وأنا أذكر كتابا بتوقيعه كرئيس وزراء موجه إلى مدير ناحية الشوبك مباشرة يطلب فيه معاقبة طوّاف أحراش تلقى رشوة دينار ونصف.. أطالع تعليقا لأحد الزملاء في إحدى اليوميات ينتقد فيه تكرار حديثنا عن وصفي التل وهزاع المجالي.. أقلّب صفحات التاريخ البعيد والقريب لأجد أن رؤساء دول يستشهدون بأقوال وأفعال أسلافهم قبل مئات السنين للدلالة على صواب عملهم في الوقت الحاضر. وكل ما كتب هنا لا يفي وصفي بعضا من حقة علينا وعلى أحفاده

 

محمود الزيودي/الدستور الاردنية/9 كانون اول 2013