قلت في المقال السابق أن الوفاء لوصفي لا يكون إلا بإحياء مشروعه, وأول خطوات هذا الإحياء هي أن نفهم وصفي, وأسرار قوته التي حولته إلى أيقونة وطنية حاضرة بقوة في تفاصيل الحياة اليومية للأردنيين رغم مرور كل هذه العقود على استشهاده

كثيرة هي التحليلات والاستنتاجات التي كتبت حول أسباب قوة الشهيد وصفي التل وتعلق الأردنيين به، وحضوره الحاد في حياتهم، والذي يزداد مع السنين، فبالرغم من مرور أربعة عقود ونصف العقد على استشهاده، فما زال وصفي التل حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية للأردنيين، خاصة عندما تدلهم الخطوب من حولهم تجسيداً لقول الشاعرأبي فراس الحمداني ” سيذكرني قومي إذا جد جدهم…..وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر”

لقد قيل أن نزاهة الرجل ونظافة يده وفرجه من أسباب قوته، وحضوره الحاد، وتعلق الناس به، خاصة في هذا الزمن الذي كثر فيه الحديث عن الفساد والفاسدين والسطو على المال العام بأشكاله المختلفة، وهو السطو الذي يجعل استحضار صورة وصفي ونموذجه في حياة الأردنيين أكثر من ضرورة، لأن هذا الاستحضار يجسد رغبة الأردنيين برؤية الفساد والفاسدين ينسحبون إلى جحورهم، فقد عرف عنه رحمه الله شدة بطشه بالفاسدين حتى لو كانوا من أشد الناس قرباً له دماً ورحماً.وفي هذا فإن الشهيد وصفي التل يمثل الضمير الذي يريد الأردنيون أن يظل حياً ويقظاً في حياتهم, لذلك تحول وصفي إلى أيقونة لديهم يعبرون من خلال الالتفاف حولها عن رفضهم لواقع الفساد، الذي يكثرون من الحديث عن استشرائه في بلدهم،وعن تسلط الفاسدين على واقعهم

وقيل أن من أسباب قوة الشهيد وصفي التل سعة ثقافته، وعمق تفكيره، وصلابة موقفه في الدفاع عن قناعاته وما يؤمن به، مع إعطاء مخالفيه في الرأي والقناعة حقهم في التعبير عن ما يؤمنون به، لذلك بادر إلى حرق الملفات الأمنية للمعارضه السياسية وإعلان العفو العام، بل وإشراك الكفاءات من المعارضين في السلطة، وفي المواقع العامة، وهذا سبب آخر من أسباب الحضور الحاد لوصفي التل في حياة الأردنيين،وكأنه صورة من صور ردهم على تسلق الإمعات وأصحاب المواقف المتقلبة إلى مواقع المسؤولية، والضيق بالرأي الآخر عند غالبية المسؤولين ورفضهم لذلك كله. وهو رد يزداد حدة كلما حلت ذكرى استشهاد وصفي التل وكأن الأردنيين يعبرون من خلال هذا الرد عن حنينهم إلى الدولة القوية، صاحبة الهيبة التي تفرض سلطان القانون على الجميع، وعن حنينهم إلى المسؤول الحازم صاحب القرار والموقف الجريئين والذي لا تهمه الشعبية بمقدار ما تهمه مصلحة الوطن والمواطن كما كان الشهيد وصفي التل

عند هذه نحب أن نتوقف لنقول أن من أهم أسباب تعلق الأردنيين بالشهيد وصفي التل، خاصة لدى الأجيال الجديدة، التي لم تعاصر وصفي لكنها سمعت وقرأت عنه، واستمعت إلى تسجيلاته، هو إحساس الأردنيين بأن وصفي، يمثل لهم الإحساس بالأمن والأمان، ويجسد لهم هويتهم الوطنية في بعدها القومي، ويعبر عن اعتزازهم بكرامتهم وفخرهم بدولتهم وهيبتها خاصة عندما يستمعون إلى الكثير من قصص وصفي التي تجسد هذه المعاني، التي يشعر الأردنيون أنها صارت مهددة في ظل تصاعد أحاديثهم عن ضياع هيبة دولتهم، وعن محاولات تزوير هويتهم الوطنية، بل وإنكارها من حيث الأصل، وفي ظل تكاثر التهديدات التي تحيط بأمنهم واستقرارهم

صحيح أن ما أشرنا إليه أعلاه وغيره هي بعض أسباب قوة الشهيد وصفي التل،وحضوره الحاد في حياة الأردنيين،غير أن السبب الرئيس لهذه القوة وهذا الحضور ومن وجهة نظري، أن الشهيد وصفي التل استمد قوته من مصدرين لا يستطيع أحد أن ينتزعهما منه، المصدر الأول هو عناصر القوة الذاتية في شخصية الرجل، والتي أمضى حياته يغذيها، وأول هذه العناصر قوته الفكرية، فالرجل مفكر قبل أن يكون سياسياً، بل لقد طغت صفة المفكر على صفة السياسي في شخصية وصفي التل،حتى عندما تبوء أعلى المناصب السياسية، فسعى إلى توظيفها لتحقيق أفكاره وترجمتها إلى واقع في حياته وحياة الناس، وقد زاد من تأثير قوته الفكرية أنه لم يكن هناك تناقضاً بين ما يقول، وما يفعل فلم يسجل عليه أحد حتى من أعتى خصومه ممارسة واحدة تناقض قناعاته، التي أخذ نفسه بشدة على ممارستها فعاش فقيراً نظيفاً نزيهاً، ولم يراهن أو يساوم على موقف من مواقفه أو قناعة من قناعاته. بل لعله دفع حياته فداء لقناعاته الفكرية.التي كان يعبر عنها ببساطة، لتصل إلى الناس كل الناس، ولعل هذا الوصول هو الذي جعل الناس يحبونه ويلتفون حوله، وهذا هو المصدر الأول من مصادر قوته الأساسية، أما المصدر الثاني من هذه المصادر فسيكون محل مقال قادم إن شاءالله

بلال حسن التل/صحيفة الرأي الاردنية/ 3 كانون اول 2017